لا حماية لمخطئ.. ولا ظلم لبريء.. ولا إقصاء لكفاءة.. ولا مجاملة على حساب الأوبرا.
ربما تختصر هذه الكلمات فلسفة الدكتور رضا الوكيل، رئيس دار الأوبرا المصرية، منذ توليه مسؤولية إدارة واحدة من أهم المؤسسات الثقافية في مصر.
فبعد ما يقرب من شهرين على توليه المهمة، يبدو أن الوكيل دخل بالفعل إلى أصعب مراحل الاختبار، اختبار لا يتعلق بعدد الحفلات أو المهرجانات، ولا بحجم النشاط الفني، وإنما بقدرته على إعادة ترتيب البيت من الداخل، وفتح الملفات الشائكة، ووضع قواعد أكثر عدالة وانضباطًا داخل مؤسسة بحجم وتاريخ الأوبرا.
فالأوبرا ليست مجرد مسارح تُضاء كل ليلة، أو حفلات تُعلن مواعيدها في الصحف. خلف الستار توجد مؤسسة ضخمة، تضم آلاف العاملين والفنانين والإداريين، وتراكمت داخلها عبر سنوات طويلة ملفات إدارية ومالية وتشابكات ومصالح وأنماط عمل أصبح تغيير بعضها ضرورة، لكنه في الوقت نفسه ليس مهمة سهلة وهنا تبدأ المعركة الحقيقية.
فمن الطبيعي أن يثير أي تغيير حقيقي مخاوف لدى البعض، خصوصًا عندما يقترب من ملفات ظلت لسنوات دون مراجعة كافية لكن الإصلاح لا يعني الانتقام، كما أن المحاسبة لا تعني تصفية الحسابات ،ولان رئيس الاوبرا يمتلك من الذكاء ما يجعله أن يفرق بين الاثنين.
فالسؤال ليس: من نريد أن نحاسب؟
وإنما: ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ ومن يتحمل المسؤولية وفق القانون؟ وكيف نمنع تكرار الخطأ؟
عند هذه النقطة فقط يتحول الإصلاح من معركة أشخاص إلى مشروع مؤسسي وهذا هو الفارق بين إدارة كانت تبحث عن خصوم، وإدارة الآن تبحث عن الحقيقة.
الأوبرا تحتاج إلى عدالة.. لا إلى هدم
ففيها كأي مؤسسة كبيرة، تدور تساؤلات حول آليات توزيع بعض المخصصات والمكافآت والفرص، وحول مدى شعور العاملين بعدالة هذه المنظومة ومن هنا تأتي أهمية أي مراجعة جادة للملفات السابقة، خصوصًا إذا تمت من خلال لجان متخصصة وبمعايير واضحة، بعيدًا عن الانطباعات الشخصية أو تصفية الحسابات.
فوجود آلاف الموظفين والفنانين والإداريين يعني أن أي قرار إداري لا يخص شخصًا واحدًا فقط، وإنما قد ينعكس على مستقبل مهني وأسرة واستقرار وظيفي، لذلك فإن الحزم مطلوب، لكن العدل أكثر ضرورة فالظلم لا يصنع إصلاحًا، كما أن التساهل مع الخطأ لا يصنع استقرارًا.
ومن اللافت في أسلوب رضا الوكيل أنه لا يبدو راغبًا في إدارة الأوبرا من خلف مكتب مغلق فالحركة بين المواقع، والمتابعة المباشرة، والاستماع إلى العاملين، والاقتراب من تفاصيل العمل، كلها أدوات تمنح المسؤول فرصة لرؤية ما قد لا يظهر في التقارير وأحيانًا تكشف جولة واحدة داخل مؤسسة ما لا تستطيع عشرات التقارير أن تنقله وهذه نقطة مهمة في أي مشروع إصلاحي؛ لأن المسؤول الذي يرى ويسمع بنفسه يصبح أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة وما يُنقل إليه، وبين المشكلة الحقيقية والمشكلة المصنوعة.
ومع أي عملية تغيير، تظهر مقاومة من هنا أو هناك وهذا أمر طبيعي.
لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول مقاومة التغيير إلى شائعات، أو تشويه، أو محاولات لإرباك الإدارة وإعادة إنتاج صراعات الماضي وهنا لا ينبغي للإدارة أن تنجر إلى معارك جانبية، الإدارة القوية لا ترد على الهمس بالهمس، ولا تواجه الشائعة بشائعة، الرد الحقيقي يكون بالوثيقة، والقرار، والإنجاز، وهذا ما يفعله الوكيل داخل الأوبرا.
أما ما يُسمى بـ خفافيش الظلام ـ إن وُجدت، فإن أفضل طريقة لمواجهتها ليست مطاردتها في الظلام، وإنما إضاءة كل أركان المؤسسة.
لذلك فإن العدالة الإدارية ليست رفاهية.. إنها أساس الاستقرار.
والاستقرار لا يعني أن يبقى كل شيء كما هو، وإنما أن يعرف الجميع أن هناك قواعد واضحة: من يعمل؟ من يتحمل المسؤولية؟ كيف تُمنح الفرص؟ كيف تُوزع المكافآت؟ كيف تُقاس الكفاءة؟ وكيف تتم المحاسبة؟ عندما تكون الإجابات واضحة، يفقد كثير من الصراع الداخلي وقوده.
من أهم التحديات أمام رضا الوكيل اختيار فريق العمل المحيط به. فالمسؤول لا يحتاج إلى من يقول كل شيء تمام يا فندم . بل يحتاج إلى من يملك الشجاعة ليقول: هناك خطأ وهذا القرار يحتاج إلى مراجعة وهذا الشخص يستحق فرصة. وهذا الملف لم يصل إلى مكتبك. وهذه المعلومة تحتاج إلى تدقيق.
الأوفياء الحقيقيون ليسوا من يجملون الصورة أمام المسؤول، وإنما من يملكون شجاعة إخباره عندما لا تكون الصورة جيدة، ولهذا فلا بد من اختيار فريق قادر على نقل الحقيقة، لا مجرد إرضاء المسؤول، وقد يكون ذلك أحد أهم قرارات المرحلة المقبلة.
ويبقى ملف الإعلام واحدًا من أهم الملفات التي تحتاج إلى إعادة نظر.
فدار الأوبرا ليست مؤسسة فنية عادية؛ إنها واحدة من أهم واجهات مصر الثقافية، وما يصدر عنها من رسائل إعلامية يجب أن يليق بتاريخها ومكانتها.
الإعلام المهني ليس مجرد بيانات تُرسل، أو أخبار تُنشر، أو صور تُلتقط. الإعلام الحقيقي هو أن يصنع الحدث، ويوثق الإنجاز، ويبني الصورة الذهنية، ويتفاعل مع الجمهور، ويقدم المؤسسة بلغة عصرية ومبتكرة.
الأوبرا تحتاج إلى إعلام يفتح أبوابها أمام الجمهور، ويكشف ما وراء الكواليس، ويقدم نجومها ومبدعيها، ويوثق تاريخها، ويحول الفعاليات إلى قصص تصل إلى الناس.
الأوبرا تحتاج إلى إعلام يصنع الحدث.. لا إعلام يكتفي بوصفه، وهذا الملف تحديدًا سيكون أحد الاختبارات الحقيقية لأي مشروع إصلاحي داخل المؤسسة.
في النهاية، سيبقي الدكتور رضا متخذا من الحق طريقا ومن العداله منهجا من أجل بناء منظومة لا تحمي مخطئًا ولا تظلم بريئًا ولا تقصي كفاءة ولا تجامل على حساب المال العام ولا تجعل الولاء الشخصي معيارًا للفرصة ولا تسمح بأن تتحول مقاومة الإصلاح إلى وسيلة لتعطيل المؤسسة.
فإذا استطاع الوكيل أن يحول هذه المبادئ إلى قواعد عمل حقيقية، وأن يفتح الملفات الشائكة،بذلك يكون قد أدار مرحلة جديدة في تاريخ الأوبرا، و سيكون قد وضع أساسًا مؤسسيًا أكثر صلابة، يحمي الأوبرا من أن تعود مرة أخرى إلى أزماتها القديمة، وتصبح الاوبرا أكثر عدلًا وانضباطًا وقوة.
----------------------------
بقلم: وليد الدرمللي






